العلامة المجلسي

275

بحار الأنوار

أولا ، لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه . وكذلك تسخير الله تعالى المياه والسفن وغيرهما ليركبها وينقل عليها ويتكسب بها بما ( 1 ) يختص به ابن آدم ، كل ذلك مما يدل على أن الانسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع . " ورزقناهم من الطيبات " وذلك لان الأغذية إما حيوانية وإما إنسانية وكلا القسمين فإن الانسان إنما يغتذي بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج البالغ ، وذلك مما لا يصلح إلا للانسان . " وفضلناهم " الفرق بين التفضيل والتكريم أنه تعالى فضل الانسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والاخلاق الفاضلة فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل . " على كثير ممن خلقنا تفضيلا " لم يقل : وفضلناهم على الكل ، فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات الله تعالى شئ لا يكون الانسان مفضلا عليه ، وكل من أثبت هذا القسم قال إنه هو الملائكة ، فلزم القول بأن الملك أفضل من الانسان ، وهذا القول مذهب ابن عباس واختيار الرجاج على ما رواه الواحدي في البسيط . واعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين : أحدهما أن الأنبياء أفضل أم الملائكة ، وقد سبق القول فيه في سورة البقرة . والثاني أن عوام الملائكة وعوام المؤمنين أيهما أفضل ، منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة ، واحتجوا عليه بما روي عن زيد بن أسلم أنه قال : قالت الملائكة : ربنا إنك أعطيت بني آدم دنيا ( 2 ) يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك في الآخرة ، فقال تعالى : وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له " كن " فكان . فقال أبو هريرة : المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده ، هكذا

--> ( 1 ) في المصدر : مما . ( 2 ) في المصدر : الدنيا .